بين كل الأئمة وكبار العلماء برز لنا أربعة أئمة، اهتُم بنشر علمهم ودونوا آراءهم وفتاواهم وجمعوها في كتب بطريقة منظمة أو مرتبة، فصار لهم أتباع إلى يومنا هذا.
هؤلاء الأئمة منهجهم هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلهم متفقون على كل الأصول الفقهية، ولكن اختلفوا في بعض المسائل الفرعية. وهذه الفروع التي اختلفوا فيها هي التي كوَّنت نشأة المذاهب الفقهية الأربعة التي دائماً ما نسمع بها، وهي: المذهب الحنفي نسبةً إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، وهو أول الأئمة الأربعة، وهو التابعي الوحيد بينهم الذي لقي بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمذهب المالكي نسبةً إلى الإمام مالك بن أنس، وكان شيخاً للإمام الشافعي. والمذهب الشافعي نسبةً إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وكان شيخاً للإمام أحمد. والمذهب الحنبلي نسبةً إلى الإمام أحمد بن حنبل، وكان تلميذاً عند الإمام الشافعي.
قبل التكلم عن الأئمة الاربعة يجب ان تكون واضعا لهم تصور… موقع كل واحد فيهم من اكبرهم في السن ومن كان قبل من. اكبرهم في السن كان النعمان ابو حنيفة الإمام الاعظم جاء من بعده الإمام مالك بن انس وجاء من بعده وتتلمذ على يديه الامام الشافعي واخرهم الامام احمد بن حنبل
الإمام الأعظم ابو حنيفة النعمان قال عنه علي ابن عاصم لو وزن علمه بعلم اهل زمانه لرجح عليهم
أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن مرزُبان الكوفي وكان اسمه النعمان ولد في الكوفة احدى مدن العراق العظيمة سنة 80هـ،699 ميلادية في أسرة فارسية صالحة ميسورة الحال. كان والده يعمل في تجارة الأقمشة في سوق الكوفة، فنشأ النعمان في بيئةٍ مريحة وتعلّم التجارة منذ صغره حتى أصبح من تجار الكوفة المعروفين. ومع ذلك حفظ القرآن وهو صغير.
كان أبو حنيفة حسن الهيئة، بهيَّ الطلعة، طيب الحديث، أنيقًا في لباسه، يحب أجمل الثياب وأطيب العطور، حتى قيل إن الناس كانوا يعرفون مروره من رائحة طيبه قبل أن يروه. أما كنيته “أبو حنيفة” فقد قيل إن سببها ملازمته للمحبرة، إذ كانت كلمة حنيفة في لهجة أهل العراق تُطلق على المحبرة، كناية عن كثرة اشتغاله بالعلم والكتابة.
نشأ أبو حنيفة في الكوفة، وكانت آنذاك من أهم المدن العلمية في العالم الإسلامي، مليئة بالعلماء وأصحاب الآراء والمذاهب المختلفة، فكان لذلك أثر كبير في تكوين شخصيته الفكرية. وفي شبابه اهتم بعلم الكلام والمناظرات، فكان ينتقل بين الكوفة والبصرة ليناقش من يهاجم الشريعة، ويناظر أصحاب الفرق المختلفة. لكن انشغاله بالتجارة جعله قليل الحضور لمجالس العلماء، حتى جاء اللقاء الذي غيّر مسار حياته. فقد مرّ يومًا على جماعة من التابعين، وكان بينهم العالم الجليل عامر الشعبي وهو من كبار علماء العراق، فسأله الشعبي:“إلى من تختلف؟” فقال أبو حنيفة: “إلى السوق”.فقال الشعبي متعجبًا: “لم أعنِ السوق، بل إلى أي العلماء تذهب؟” فأخبره أنه قليل الجلوس في حلقات العلم، فقال له الشعبي: “يا بني، لا تغفل، وعليك بطلب العلم ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك ذكاءً.” وقع كلامه في قلب أبي حنيفة، فقال: “فتركت كثرة الذهاب إلى السوق، وأقبلت على العلم، فنفعني الله بكلامه.” ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلته الجادة في طلب العلم.
بعد هذه المرحلة، اتجه الإمام أبو حنيفة إلى طلب العلم، فذهب إلى العراق، وكانت مجالس العلماء تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
مجالس لأصول الدين والعقيدة، ومجالس لدراسة الحديث، ومجالس لدراسة الفقه. وكان وهو صغير يدخل كل هذه المجالس، ويرى كل حلقات العلم، وأكثر الحلقات التي أعجب بها كانت حلقات الفقه. وقد شرح لنا الإمام أبو حنيفة بنفسه سبب اختياره للفقه، كما روى عنه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، أنه سُئل: كيف وُفِّقت إلى الفقه؟ فقال:“أخبرك عن التوفيق، فكان من الله، وله الحمد كما هو أهله ومستحقه. إني لما أردت تعلم العلم، جعلت كل العلوم نصب عيني، فقرأت فنًا فنًا منها، وتفكرت في عاقبته وموضع نفعه.” وهذه نقطة في غاية الأهمية، يمكن كثير منا يغفل عنها اليوم؛ فالنعمان وهو صغير في السن لم يختر أي مجال عشوائيًا، بل نظر في كل المجالات أولًا، ثم اختار. قال: “فقلت: آخذ في الكلام (وهو علم التوحيد والعقيدة)، ثم نظرت فإذا عاقبته عاقبة سوء، ونفعه قليل، وإذا كبر الإنسان فيه لا يستطيع أن يتكلم جهارًا، ورُمي بكل سوء، وقيل عنه صاحب هوى.” ثم قال:“ثم تتبعت أمر الأدب والنحو، فإذا عاقبته عاقبة سوء ونفعه قليل.”ثم قال:“ثم تتبعت أمر الشعر، فوجدت عاقبته مدحًا وهجاءً وقول الكذب وتمزيق الدين.” ثم قال:“ثم تفكرت في أمر القراءات، فقلت: إذا بلغت الغاية منه، اجتمع إليَّ أحداث يقرؤون عليَّ، والكلام في القرآن ومعانيه صعب.” ثم قال:“فقلت: أطلب الحديث، فإذا جمعت منه الكثير احتجت إلى عمر طويل، وإذا احتاج إليَّ لم يجتمع إليَّ إلا الأحداث، ولعلهم يرمونني بالكذب وسوء الحفظ، فيلزم ذلك إلى يوم الدين.” ثم قال: “ثم قلبت الفقه، فكلما قلبته وأدرته لم يزد إلا جلالة، ولم أجد فيه عيبًا، ورأيت الجلوس مع العلماء والفقهاء والمشايخ، والتخلق بأخلاقهم، ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفة الفقه، ولا يُطلب أمر الدنيا والآخرة إلا به.” وأضاف: “ومن أراد به الدنيا طلب أمرًا جليلًا، وصار إلى رفعة، ومن أراد العبادة والتخلي لم يستطع أحد أن يقول تعبد بغير علم.” فالخلاصة من كلام الإمام أبي حنيفة أن اختياره للفقه جاء بعد تفكير عميق وتجربة طويلة.
أما الفقه، فهو: فهم الشيء ومعرفته بدقة، فإذا قيل “فقهت الشيء” أي فهمته وعرفت تفاصيله.
وعندما نطبّق هذا على الشريعة الإسلامية، فإن الفقه هو: العلم بتفاصيل الشريعة، وفهم معانيها وأحكامها، حتى يستطيع الإنسان حل المسائل وفهم الأمور الغامضة.
وقد لازم الفقيه الكبير حماد بن أبي سليمان وكان عمره اثنتين وعشرين سنة، فبقي يتعلم منه ثماني عشرة سنة. وقد أدرك حماد مبكرًا تميز تلميذه، فكان يقرّبه ويجعله يجلس إلى جواره في صدر الحلقة. ويروي أبو حنيفة أنه فكر يومًا أن يجلس للتدريس وحده، لكنه عندما رأى شيخه في المسجد استحيا أن يسبقه إلى ذلك. وفي مرة اضطر حماد إلى السفر، فطلب من أبي حنيفة أن يجلس مكانه في حلقة الدرس. وخلال غيابه عُرضت عليه مسائل كثيرة لم يسمع حكمها من قبل، فاجتهد فيها. ولما عاد شيخه عرض عليه الأجوبة، فوافقه في أكثرها وخالفه في بعضها، فقال أبو حنيفة: “فعاهدت نفسي ألا أفارقه حتى يموت.”وبعد وفاة شيخه جلس أبو حنيفة للتدريس في مسجد الكوفة، وبدأ يناقش تلاميذه في المسائل الفقهية ويقيس النظائر بالأشباه، حتى نشأ من منهجه ما عُرف لاحقًا بالمذهب الحنفي.
وكان كثير الحج، حتى قيل إنه حج خمسًا وخمسين مرة، وقد مكّنته هذه الرحلات من لقاء العلماء والتابعين، كما التقى ببعض الصحابة مثل أنس بن مالك رضي الله عنه. وكان له شيوخ كثيرون حتى قيل إن عددهم بلغ أربعة آلاف شيخ، كما كان له تلاميذ كبار نشروا علمه في الأمصار، منهم أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم و**محمد بن الحسن الشيباني**.
أما منهجه في الفقه فكان يقول:“آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم أجد أخذت بقول الصحابة، فإن اختلفوا اخترت من أقوالهم.”وكان يطرح على طلابه مسائل افتراضية ليناقشوها بالحجة والدليل، وقد يستغرقون شهورًا في مناقشة مسألة واحدة. وإذا استعصت عليه مسألة أكثر من الصلاة والاستغفار حتى ينفتح له الجواب. ولهذا بلغ مكانة عظيمة في الفقه، حتى قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:“الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.”وكان أبو حنيفة معروفًا بالورع الشديد؛ لا يأكل إلا من كسب يده، ورفض أن يتولى منصب القضاء عندما عرضه عليه الخليفة أبو جعفر المنصور، خوفًا من أن يضطر إلى الحكم بما يرضي السلطان لا بما يراه حقًا.
كما عُرف بحسن الخلق وترك الغيبة، حتى قال عبد الله بن المبارك:“ما سمعت أبا حنيفة يغتاب عدوًا له قط.”وكان مع ذلك كثير العبادة؛ صوّامًا قوّامًا، يكثر من قراءة القرآن والاستغفار، حتى قيل إنه كان أحيانًا يختم القرآن في يوم واحد، ثم لما شُغل بالعلم صار يختمه في ثلاثة أيام. ومن كرمه أنه كان ينفق بسخاء على الفقراء وطلاب العلم، فإذا أنفق على عياله تصدق بمثل ذلك، وإذا لبس ثوبًا جديدًا كسا المساكين بقدر ثمنه. وكان شديد الأمانة في تجارته؛ فقد عرضت عليه امرأة ثوبًا لتبيعه بمئة درهم، فلما عرف قيمته الحقيقية أخبرها أنه أغلى من ذلك، حتى قُوِّم بخمسمئة درهم فاشتراه بهذا الثمن، مع أنه كان يستطيع أن يأخذه بأقل. كما كان له شريك في التجارة اسمه حفص بن عبد الرحمن. وفي مرة أرسل إليه بضاعة فيها ثوب معيب وأوصاه أن يبيّن عيبه للمشتري، فلما علم أن الثوب بيع دون بيان العيب تصدق بثمنه كله. وكان ينفق من أرباح تجارته على العلماء وطلاب العلم، ويقول لهم:“هذه أرباح بضائعكم أجراها الله لكم على يدي.”
وقد شهد له العلماء بالذكاء وقوة الحجة؛ حتى قال الإمام مالك بن أنس: “هذا النعمان بن ثابت، لو قال إن هذه السارية من ذهب لأقام الحجة على ذلك.” وهكذا اجتمع في شخصية أبي حنيفة العلم، والورع، والذكاء، والكرم، حتى صار أحد أعظم أئمة الإسلام، ولُقِّب بـ الإمام الأعظم، وبقي علمه ومذهبه منتشرًا في أرجاء العالم الإسلامي إلى يومنا هذا.
حياة الإمام أبو حنيفة ما كانتش كلها وردية بهذا الشكل، وإنما قول الحق جعله يمر بمحنتين من أشد المحن.
عاش الإمام أبو حنيفة 52 سنة في العصر الأموي، و18 سنة في العصر العباسي، أي أنه عاصر دولتين من أوائل دول الإسلام، وكانت الفترة الأطول من حياته في ظل الحكم الأموي. وفي تلك الفترة، واجه الإمام أبو حنيفة صعوبات كبيرة، خاصة خلال حكم هشام بن عبد الملك، عاشر الخلفاء الأمويين. ففي سنة 121 هـ، قامت ثورة بقيادة زيد بن علي.
وكان موقف الإمام أبو حنيفة مؤيدًا لزيد بن علي، حتى إنه شبّه خروجه بخروج النبي ﷺ يوم بدر.
ومع ذلك، لم يشارك في الثورة بنفسه، واعتذر عن ذلك.وعندما سُئل عن سبب عدم خروجه، قال: “لو علمت أن الناس لن يخذلوه كما خذلوا غيره، لجاهدت معه، لأنه إمام حق، ولكنني أعينه بمالي.” فأرسل إليه عشرة آلاف درهم، وهو مبلغ كبير جدًا في ذلك الوقت. لكن الثورة انتهت بمقتل زيد بن علي سنة 122 هـ، كما قُتل ابنه يحيى بن زيد، ثم حفيده عبد الله بن يحيى. وقد أثّر ذلك كثيرًا في نفس الإمام أبو حنيفة، فاشتد حزنه وغضبه على الدولة الأموية.
وبعد هذه الأحداث، حاولت الدولة الأموية استمالته، فأرسل إليه والي الكوفة ابن هبيرة ليوليه منصبًا رسميًا، بحيث لا يُنفذ أمر إلا بإمضائه. لكن الإمام أبو حنيفة رفض ذلك رفضًا قاطعًا، رغم تهديد الوالي له بالضرب إن لم يقبل. وقد نصحه الناس بقبول المنصب، لكنه قال: “لو طُلب مني أن أعد أبواب المسجد لما فعلت، فكيف أكتب حكمًا يُراق فيه دم إنسان وأختم عليه؟! والله لا أفعل ذلك أبدًا.” وبسبب هذا الرفض، سُجن الإمام أبو حنيفة، وتعرض للضرب أيامًا طويلة، حتى قيل للوالي إنه لم يعد فيه موضع يُضرب. ومع ذلك، أعاد الوالي عليه الطلب، فرفض مرة أخرى بنفس الموقف.
فلما يئسوا منه، أطلقوا سراحه.فغادر الكوفة هاربًا، إذ لم يعد يستطيع العيش فيها، وتوجه إلى مكة، أحب البلاد إلى الله ورسوله ﷺ. وأقام فيها يطلب العلم، حتى سقطت الدولة الأموية، وبدأ عصر الدولة العباسية.
عندما استقبل الإمام أبو حنيفة فترة الحكم العباسي، شعر بشيء من الارتياح؛ إذ إن اضطهاد الأمويين لأبناء علي بن أبي طالب وآل بيت النبي ﷺ كان شديدًا. فلما زالت دولتهم، عاد إلى الكوفة بعد إقامته في مكة، وذلك في عهد أبو جعفر المنصور، الذي كان يُكرمه ويرفع قدره ويغدق عليه العطايا، إلا أن أبا حنيفة كان يرفضها.
بدت العلاقة في بدايتها طيبة بين العباسيين وأبي حنيفة، لكن سرعان ما ظهرت الفتنة الثانية في حياته، حين نشب الخلاف بين العباسيين وأحفاد علي بن أبي طالب، وعلى رأسهم محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم بن عبد الله، اللذان ثارا على حكم أبي جعفر المنصور. وكان أبوهما عبد الله بن الحسن على صلة علمية بالإمام أبي حنيفة، بل إن أبا حنيفة أخذ عنه العلم.
وقد أثار ذلك غضب أبي حنيفة، فمال إلى تأييد هذه الثورة، وبدأ يصرّح بموقفه في حلقات العلم، بل دعا جنود الدولة العباسية إلى عدم المشاركة في القتال، وهو ما اعتبره المنصور خطرًا على حكمه، نظرًا لتأثير أبي حنيفة الكبير في الناس.
فأراد المنصور اختبار طاعته، فعرض عليه منصب القضاء مرة أخرى، لكن أبا حنيفة رفض. فغضب المنصور، وقال: كيف يكون في دولتي من لا يطيع أمري؟ فكلّفه بالإشراف على بناء بغداد، لكن ذلك لم يُخفف من ضيقه، خاصة بعد مقتل الثائرين من آل علي.
اعتزل أبو حنيفة السياسة، وتفرغ للعلم، لكن مواقف أخرى أعادته إلى الواجهة، منها ثورة أهل الموصل على المنصور، حيث كان قد اشترط عليهم ألا يخرجوا عليه، وإلا استُبيحت دماؤهم. فجمع المنصور العلماء وسألهم عن الحكم، فأيّده بعضهم، لكن لما سأل أبا حنيفة قال: "إنهم شرطوا لك ما لا يملكون، وشرطتَ عليهم ما لا تملكون، ودم المسلم لا يحل إلا بثلاث، فإن أخذتهم فقد أخذت بما لا يحل، وشرط الله أحق أن يُوفى به." فكان قوله جريئًا مخالفًا لما قاله غيره، فأمر المنصور بانصراف الناس، ثم قال لأبي حنيفة: القول ما قلت، ولكن لا تُفتِ بما يثير الفتن. وكان المنصور يعلم مكانة أبي حنيفة، ويعلم كذلك أنه لا يقبل عطاياه، ولا يخضع لسلطته، ومع ذلك أقرّ بصواب رأيه. ثم طلب منه أن يكون مرجعًا للقضاة، فوافق أبو حنيفة، لكن هذا الموقف كان سببًا في اشتداد الخلاف بينهما، فأمر المنصور بسجنه. وقيل إنه جُلد مئةً وعشرة أسواط، ثم أُفرج عنه بشرط أن يلازم بيته. وكانت الفتاوى تُرسل إليه في بيته، لكنه امتنع عن الإفتاء احتجاجًا، فأُعيد إلى السجن، وعُذّب عذابًا أشد. وقد اختلفت الروايات في وفاته؛ فقيل إنه مات في السجن من شدة الضرب، وقيل إنه سُمّ، وقيل إنه أُطلق ثم مات متأثرًا بما أصابه. لكن الثابت أنه تعرّض لعذاب شديد في عهد العباسيين.
ويُروى أنه لما أحس بدنو أجله، سجد لله تعالى، فمات وهو ساجد. وتوفي في بغداد ما بين سنة 150 و153 هـ، ودُفن في مقابر الأعظمية، وكانت جنازته عظيمة حضرها جمع غفير من الناس، حتى إن أبو جعفر المنصور نفسه صلى عليه.
ورغم علو مكانته، فإن مؤلفاته لم تكن كثيرة، وذلك بسبب طبيعة عصره الذي لم يكن عصر تدوين، إضافة إلى انشغاله بالتعليم والتجارة وأعمال الخير. ومع ذلك، نُسبت إليه كتب مهمة مثل "الفقه الأكبر" و"الفقه الأبسط" وغيرها، وكان له دور بارز في علم الكلام. وقد لقي عددًا من الصحابة، منهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وغيرهما. ثم جاء من بعده تلاميذه، وعلى رأسهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، فجمعوا فقهه ودونوه، حتى نشأ المذهب الحنفي، الذي يُعد من أوسع المذاهب انتشارًا في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا.




جميل جدا 👏👏 منتظر باقي الأئمة بفارغ الصبر