ليس كل ما يُنسب إلى الدين هو دين، ولا كل ما يُمارس باسمه يعكس روحه.
هناك فرق دقيق لكنه عميق بين النص المقدّس وتأويل الإنسان، بين نور الرسالة وصفحات التاريخ التي كتبتها اليد البشرية بما تحمله من تحيّزات ومخاوف ورغبات في السيطرة. في هذه المسافة تحديدًا تسللت الثقافة الذكورية، لا لتخدم الإسلام، بل لتُلبسه ثوبًا ليس من نسيجه.
وهنا يمكننا طرح سؤال لماذا يحاول الذكوريون استغلال الخطاب الديني لخدمة مصالحهم والتي لن تتجسد الا باقصاء المرأة لان الإقصاء يمنح القوة، ولكن ليس قوة حقيقية قائمة على الكفاءة أو الحق، بل قوة وهمية قائمة على السيطرة والخوف.
1. السلطة تبحث دائمًا عن شرعية
أي سلطة — سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو أسرية — تحتاج إلى غطاء يُبرر وجودها. وأقوى غطاء ممكن هو الغطاء الديني، لأنه يحمل قداسة. عندما يُلبس الرأي الشخصي لباس “الحكم الشرعي”، يصبح الاعتراض عليه أصعب. هنا يتحول الدين من رسالة هداية إلى أداة ضبط. بعض الرجال — لا كلهم — قد يجدون في التأويل المتشدد وسيلة للحفاظ على امتيازاتهم التقليدية داخل الأسرة والمجتمع. فبدل أن تكون العلاقة شراكة، تُعاد صياغتها كهرمية: هو الآمر وهي المأمورة. ومع مرور الوقت، يُقدَّم هذا النموذج وكأنه “النموذج الإلهي”، بينما هو في كثير من الأحيان نتاج ثقافة بشرية.
2. لأن الثقافة الذكورية أقدم من الخطاب الديني
المجتمعات قبل الأديان السماوية كانت أبوية في معظمها، أي قائمة على هيمنة الرجل. وعندما جاء الدين، لم يأتِ في فراغ، بل نزل داخل هذه البنية. فحصل تفاعل بين النص والواقع. أحيانًا يرتفع الواقع إلى مستوى النص، وأحيانًا يُسقِط الواقع نفسه على النص. لهذا نجد أن بعض التفسيرات تأثرت بعادات زمنها أكثر مما تأثرت بالمقاصد الكبرى للشريعة كالعدل والرحمة والكرامة. المشكلة ليست في النص، بل في العقل الذي يقرأه من داخل منظومة ترى المرأة تهديدًا للسيطرة.
3. لأن ضبط المرأة أسهل من تربية الرجل
من الأسهل أن يُقال للمرأة “اختفي” من أن يُقال للرجل “اضبط نفسك”. ومن الأسهل تحميل جسدها مسؤولية الفتنة من بناء وعي أخلاقي جماعي. هذا المنطق يعكس ميلًا نفسيًا لإلقاء العبء على الطرف الأضعف اجتماعيًا. في القرآن نجد أن الخطاب الأخلاقي موجه للرجال والنساء معًا، بل إن الأمر بغض البصر بدأ بالرجال. لكن القراءة الانتقائية قد تركز على آيات دون غيرها لتدعيم تصور معين.
4. الخوف من استقلال المرأة
كلما ازدادت المرأة علمًا واستقلالًا، اهتزت بعض البُنى التقليدية. في هذه اللحظة، قد يُستخدم الدين كأداة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. ليس بدافع الإيمان، بل بدافع الخوف من فقدان السيطرة أو المكانة. وهنا يتحول النقاش من “ما الذي يريده الله؟” إلى “ما الذي يحفظ امتيازاتي؟” — وإن لم يُصرَّح بذلك.
5. الخلط بين القوامة والتسلط
مفهوم القوامة في جوهره مسؤولية ورعاية، لا استبداد. لكن حين يُفهم خارج سياقه الأخلاقي، قد يُحوَّل إلى تفويض مفتوح بالهيمنة. الفرق كبير بين قيادة تقوم على العدل والمشاورة، وبين سلطة تُقصي وتُهمّش.
ومن المهم ألا نقع في صورة معاكسة ترى كل رجل مستغلًا للدين. هناك رجال قرأوا النصوص بروح العدالة والرحمة، ودافعوا عن حق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة. المشكلة في البنية الفكرية المتصلبة، لا في الذكورة كهوية بيولوجية.
الإسلام في لحظة النور الأولى
عندما جاء الإسلام في جزيرة العرب، جاء في بيئة قبلية كانت المرأة فيها تُورث كما يُورث المتاع، وتُدفن أحيانًا خوف العار، وتُحرم من الإرث والقرار. فجاء القرآن ليقلب الموازين: أعطى المرأة حق التملك، وحق الإرث، وحق القبول والرفض في الزواج، وجعل التقوى معيار التفاضل لا الجنس.
كان الخطاب القرآني موجّهًا إلى الإنسان: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. لم يقل لا أنتم ذكورًا أم إناثًا.
( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (القرآن، البقرة: 228) هذا يعني أن الحقوق والواجبات متبادلة بين الرجل والمرأة، وأن كل طرف مسؤول عن نفسه والآخر بمعروف وعدل، وليس خضوعًا أعمى أو سيطرة.
( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) (القرآن، سورة النساء: 127) السياق مهم جدًا هنا. الصحابة كانوا يسألون النبي ﷺ عن قضايا تخص النساء، خاصة ما يتعلق باليتيمات وحقوقهن في الزواج والميراث، لأن المجتمع الجاهلي كان يظلمهن. فجاء الرد الإلهي واضحًا: “قل الله يفتيكم فيهن”.حين يقول الله “يفتيكم فيهن”، فهو يسحب سلطة التحكم المطلق من الثقافة الذكورية، ويعيدها إلى ميزان العدل الإلهي. وليس المقصود أن البشر لا يجتهدون في الفقه، لكن المقصود أن الأصل في أحكام النساء وحقوقهن وكرامتهن محدد بالوحي، لا بالأعراف او الاجتهاد البشري الذي قد يميل للظلم.
بل إن محمد صلى الله عليه وسلم قدّم نموذجًا عمليًا في احترام النساء، في استشارته لزوجاته، في إقراره بذكائهن، وفي رفضه العنف عليهن كما انه كان يكن لهن اهتمامًا خاصًا بمشاعرهن وكرامتهن ويظهر لهن التقدير في أقواله وأفعاله فلا يستخف بأي منهن، ويشجعهن على التعلم والمشاركة في الأمور الدينية والاجتماعية، وهو ما يعكس قيم الاحترام والكرامة في البيت النبوي. كانت الروح الأولى للإسلام روح عدل ورحمة، لا روح هيمنة وسيطرة.
من النص إلى التأويل: أين بدأ التحوّل؟
المشكلة لم تكن في النص، بل في القراءة.
حين توسعت الدولة الإسلامية، دخلت شعوب متعددة بثقافاتها وتقاليدها. كثير من هذه التقاليد كانت قائمة على مركزية الرجل وسلطته المطلقة. ومع مرور الوقت، لم تُفلتر هذه العادات دائمًا عبر ميزان القيم القرآنية، بل تسللت إلى الفقه والتفسير أحيانًا تحت غطاء “الاجتهاد”.
الاجتهاد البشري ليس معصومًا. وهو يتأثر بسياقه الاجتماعي. فحين يكون المجتمع ذكوريًا، يصبح من السهل أن تُقرأ النصوص بروح ذكورية، وأن يُضخّم ما يعزز سلطة الرجل، ويُهمّش ما يوازنها.
هكذا بدأنا نرى:
تركيزًا مبالغًا فيه على طاعة المرأة.
اختزالًا لدورها في البيت فقط.
تضييقًا لمساحات مشاركتها الاجتماعية والعلمية.
توظيفًا لبعض النصوص بمعزل عن سياقها التاريخي واللغوي.
بينما تجاهلت هذه القراءات أن نساءً مثل عائشة بنت أبي بكر كنّ من كبار رواة الحديث، وأن الشفاء بنت عبد الله كانت تُعلّم الكتابة، وأن المرأة في صدر الإسلام شاركت في البيعة والحوار وميادين العمل العام وحتى في الحروب.
إذا أردنا أن نفهم مكانة المرأة في عهد محمد ﷺ فعلينا أن نخرج من الصورة النمطية التي صاغتها عصور لاحقة، ونعود إلى اللحظة الأولى حيث كان المعيار هو التقوى والكفاءة لا النوع الاجتماعي. المرأة في المجتمع النبوي لم تكن ظلًا صامتًا، بل كانت ذاتًا حاضرة، تُبايع، وتناقش، وتعمل، وتُجاهد، وتُعلِّم.
في عهد النبي لم تكن المرأة كائنًا هامشيًا ولا مجرد “عورة” تُقصى عن المجال العام، بل كانت حاضرة في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية. شاركت النساء في البيعة، وتعلّمن وعلّمن، وكنّ يسألن ويجادلن في أمور الدين دون حرج. في الغزوات كانت الكرامة تُبنى على التقوى والعمل، لا على محو الوجود أو اختزال المرأة في جسدها. وهذا يعكس أن النظرة الأولى في المجتمع النبوي كانت قائمة على الاحترام والفاعلية، لا على الإقصاء أو التهميش.
يكفي أن نتأمل مكانة خديجة بنت خويلد، التي لم تكن فقط زوجة، بل تاجرة ناجحة وصاحبة رأي ودعم نفسي ومادي للدعوة في بداياتها. وجودها لم يُختزل في بيتٍ مغلق، بل كان فاعلًا في لحظة تأسيس الإسلام نفسه. هذا المعطى وحده يكشف أن المرأة لم تُرَ كعورة اجتماعية تُخفى، بل كشريك في صناعة الحدث.
ثم تأتي شخصية عائشة بنت أبي بكر، التي لم تكن مجرد راوية أحاديث، بل مرجعًا علميًا يقصده كبار الصحابة. كانت تُفتي، وتناقش، وتصحح آراء بعضهم. هل كان يمكن لامرأة تُعتبر “عورة” أن تصبح مصدرًا للتشريع والمعرفة؟ وجودها العلمي العلني يدل على أن حضور المرأة الفكري كان معترفًا به ومُقدَّرًا.
وفي ميدان الحروب، لم يكن دور النساء ثانويًا. نسيبة بنت كعب حملت السيف يوم أُحد دفاعًا عن النبي حين اشتد القتال، وتعرضت لجراح عديدة. لم يُنظر إلى خروجها كفضيحة، بل كبطولة. ورفيدة الأسلمية أقامت خيمةً قرب المسجد النبوي لمعالجة الجرحى، في صورة مبكرة لتنظيم العمل الطبي التطوعي. كانت المرأة حاضرة في الميدان، لا كجسد يُخشى منه، بل كقيمة تُضاف.
حتى في المجال السياسي، حضرت النساء في بيعة العقبة، وشاركن في اتخاذ قرار مصيري يخص مستقبل الجماعة. البيعة في جوهرها عقد اجتماعي، والمرأة كانت طرفًا فيه. لم تُقصَ بدعوى أن صوتها أو حضورها فتنة، بل اعتُبرت مسؤولة عن موقفها وخيارها.
الأهم من ذلك أن الخطاب النبوي نفسه لم يبنِ الأخلاق على حجب المرأة، بل على تهذيب النظر والقلب. حين نزلت آيات الحياء في القرآن، خُوطب الرجال أولًا بغض البصر قبل النساء. هذا الترتيب يحمل دلالة أخلاقية عميقة: المسؤولية مشتركة، وليست عبئًا يُلقى على طرف واحد.
المرأة في ذلك العهد كانت تُسأل عن رأيها، وتُستشار، ويُحترم اعتراضها. رُوي أن امرأة ناقشت عمر بن الخطاب في مسألة المهور أمام الناس فقبل رأيها علنًا. هذا المشهد يعكس بيئة لم تعتبر صوت المرأة عيبًا ولا حضورها خطرًا.
إذن، حين نقول إن المرأة لم تُرَ كعورة في المجتمع النبوي، فنحن لا ننفي وجود مفهوم الحياء، بل نؤكد أن الحياء لم يكن إلغاءً للدور. كان توازنًا بين القيم والمشاركة. لم تُختزل المرأة في جسدها، بل قُيِّمت بعقلها وإيمانها وعملها.
المفارقة أن كثيرًا من الصور المتشددة التي ظهرت لاحقًا ارتبطت بظروف سياسية واجتماعية أكثر منها بالنموذج الأول. فكلما خاف المجتمع من الاضطراب، شدّد القيود على جسد المرأة باعتباره الرمز الأسهل للضبط. لكن في البدايات، حين كان المشروع في طور التأسيس، احتاج المجتمع إلى كل طاقة، رجالًا ونساءً. لهذا، العودة إلى تلك المرحلة لا تعني استنساخها حرفيًا، بل استلهام روحها: روح الاحترام، والمسؤولية المشتركة، والاعتراف بالمرأة كفاعل كامل لا ككائن يُدار من خلف ستار.
الخلط بين المقدّس والبشري
أخطر ما فعلته الثقافة الذكورية أنها دمجت نفسها بالدين حتى أصبح نقدها يُفهم على أنه نقد للإسلام ذاته.
صار التفريق بين “ما قاله الله” و”ما فهمه الرجال” أمرًا حساسًا، رغم أنه ضرورة معرفية.
هناك أحكام قطعية واضحة، وهناك مساحات واسعة تركها النص للاجتهاد. لكن حين يُمنح الاجتهاد صفة القداسة، يُغلق باب المراجعة. وحين يُغلق باب المراجعة، يتحول الدين من رسالة تحرر إلى أداة ضبط اجتماعي.
الثقافة الذكورية لا تكتفي بتنظيم الأدوار، بل تؤسس لهرمية قيمة: الرجل مركز، والمرأة تابع. بينما الرؤية القرآنية تتحدث عن التكامل لا التبعية واركز في قولي عن التكااامل ، وعن المودة والرحمة لا السيطرة.
بين الحماية والسيطرة
كثير من الممارسات التي تُبرر اليوم باسم “الحماية” تخفي في عمقها خوفًا من فقدان السيطرة.
الحماية الحقيقية تُعطي وعيًا، لا تُصادر إرادة. والكرامة لا تُحفظ عبر الحجب القسري، بل عبر بناء إنسان مسؤول، ذكرًا كان أم أنثى. فعندما تُختزل المرأة في جسد يجب ستره، ويُختزل الرجل في شهوة يجب كبحها، نكون قد أسأنا إلى الاثنين معًا. فالإنسان في الإسلام كائن عاقل مكلف، لا مشروع خطر دائم.
لماذا شوهت الثقافة الذكورية نور الإسلام؟
لأنها نقلت مركز الثقل من القيم إلى السلطة ومن العدل إلى الامتياز ومن المسؤولية المشتركة إلى الوصاية الأحادية.وحين يُصبح الدين أداة لترسيخ تفوق فئة على أخرى، يفقد جزءًا من إشعاعه الأخلاقي في أعين الناس، خاصة في أعين الجيل الجديد الذي يبحث عن المعنى والاتساق فالكثير من الشباب اليوم لا يرفضون الإسلام، بل يرفضون صورته المشوهة. يرفضون خطابًا لا يعكس الرحمة التي يقرأونها في القرآن، ولا العدل الذي يرونه في سيرة النبي.
استعادة النور
استعادة نور الإسلام لا تعني التمرد على النص، بل العودة إليه بعيدًا عن طبقات التأويل المتراكمة. وتعني كذلك إشراك النساء في الفقه والفكر والتفسير، لا باعتبارهن موضوعًا للحكم، بل شريكات في فهمه وصياغته فالإسلام لم يأتِ ليصنع صراعًا بين الرجل والمرأة، بل ليحررهما معًا من عبودية البشر للبشر. وكل ثقافة تُعيد إنتاج هذه العبودية، ولو باسم الدين، تحتاج إلى مراجعة.
فنور الإسلام لا ينطفئ، لكنه قد يُحجب. وما حجبه ليس النص، بل الغبار الذي تراكم عليه عبر قرون من القراءة المنحازة.
وتنقية هذا الغبار ليست معركة ضد الدين، بل دفاع عنه.
وليست حربًا على الرجل، بل تحريرًا له أيضًا من صورة السلطة القاسية التي أثقلت إنسانيته.
حين نفصل بين صوت السماء وصدى العادات، سنكتشف أن الرسالة كانت أرحب وأعدل وأعمق مما صوّره لنا التاريخ أحيانًا.
إبتسام





