عندما نتحدث عن المجتمعات وعن أسباب تقدمها أو تخلفها، فإن أول ما يجب طرحه الأخلاق قبل العلم. فالاخلاق ليست مجموعة قواعد اجتماعية كما يعتقدها البعض، بل هي البنية النفسية والعقلية التي تحدد طريقة تعامل الإنسان مع نفسه ومع الآخرين ….
منذ آلاف السنين وقبل ظهور الأديان بصورتها المعروفة اليوم، عرف الإنسان معاني الصدق والرحمة والوفاء والتعاون. وعرف أيضًا معاني الظلم والخيانة والعنف والنفاق وغيرها. وهذا يدل على أن هناك جانبًا أخلاقيًا فطريًا مرتبطًا بطبيعة الإنسان وقدرته على التعاطف والإحساس بالآخرين. لهذا لا يبدو غريبًا أن يقول النبي : “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. إذ لم يقل إنني بعثت لأخلق الأخلاق من العدم، بل لأتممها. أي أصلًا هناك وجود للاخلاق حتى قبل الاسلام وهذا يعني ان الاخلاق شيئ يعكس اصل ومعدن الشخص اذا كان نقي ام ملوث منذ البداية. فالدين لا يحول الإنسان العدواني إلى إنسان أخلاقي بطريقة سحرية ، ايضا لا يجعل الشخص القاسي رحيمًا بمجرد حفظ النصوص الدينية. بل يحتاج الإنسان أولًا إلى حد أدنى من الاستعداد النفسي والعقلي والمنطقي لتقبل القيم. ولهذا نجد أحيانًا أشخاصًا يحفظون الكثير من النصوص الدينية، لكنهم يعجزون عن ممارسة أبسط أشكال الاحترام أو الرحمة أو الإنصاف في اول فرصة يظهر انعدام تربيتهم . تزكية النفس وتنقيتها تسبق المظاهر ….
ومن أكثر التناقضات التي نراها اليوم أن بعض الأشخاص يحصرون اهتمامهم في لباس المرأة، أو عملها، أو خياراتها الشخصية، بل وحتى في طريقة معاملة الآباء لبناتهم أو تعامل الرجل باحترام مع النساء، بينما يتجاهلون قضايا أخلاقية أكثر خطورة كان الأولى أن يبدأوا بإصلاحها في أنفسهم وفي مجتمعهم، مثل الكذب، والخيانة، والسرقة، والاتجار بالمخدرات، والزنا، والتحرش، والسب والشتم، وخيانة الأمانة، وإهمال النظافة الشخصية، وغيرها من السلوكيات التي تمس جوهر الأخلاق قبل مظاهرها. فتجد أحدهم يتحدث لساعات عن الحلال والحرام، لكنه لا يطبق ما يدعو إليه، ولا يرى بأسًا في إهانة الناس أو السخرية منهم أو تحقيرهم لمجرد أنهم خالفوا رأيه. ثم ينصّب نفسه واعظًا ووصيًا على الآخرين، فيجعل معظم حديثه منصبًا على حجاب المرأة، أو عملها، أو دراستها، أو خروجها من المنزل، وكأن الدين اختُزل في مراقبة حياة الناس، وخاصة النساء، بينما يغفل عن تهذيب نفسه وإصلاح سلوكه وسمعته بحجة انه لا يعيبه شيئ وهذا ما يحدث في المجتمعات العربية.
المشكلة ليست في الدين، بل في اختزال الدين في مراقبة الآخرين واستغلاله واخذ مايخدم مصالحهم منه مع الأعراف الاجتماعية وجعلهم أداةً لفرض السلطة وإصدار الأحكام. فكيف يمكن لمن يمارس العدوانية، والتعالي، والسب، أو يتحايل على حقوق الناس، أن يقدم نفسه مدافعًا عن الأخلاق؟ وكيف يصبح من يتجاهل الظلم والفساد والكذب، منشغلًا بتفاصيل حياة الآخرين الخاصة بحجة الأمر بالمعروف؟
إن اختزال الأخلاق في الوصاية على الناس، مع التغاضي عن الانحرافات الأخلاقية الحقيقية، يكشف خللًا في ترتيب الأولويات، ويحوّل الحديث عن الفضيلة إلى انتقائية اجتماعية أكثر منها التزامًا بالقيم الإنسانية. فالدين جاء ليهذب الإنسان ويزكي أخلاقه، لا ليمنحه سلطة على الآخرين أو يبرر له التشهير والإهانة والتدخل في خصوصياتهم.
فمن أكثر المفاهيم التي تعرضت للتشويه في مجتمعاتنا مفهوم “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. فالبعض يتعامل معه وكأنه رخصة مفتوحة للتدخل في حياة الناس وإهانتهم وسبهم والتشهير بهم فقط لأنهم يخالفون رأيه أو نمط حياته.لكن إذا تأملنا في الفكرة بعمق نجد أن النصيحة ليست مجرد كلام يُقال، بل مسؤولية أخلاقية لها شروطها وآدابها. فليس كل شخص مؤهلًا للنصح، وليس كل موقف يحتاج إلى تدخل. لأن الغاية من النصيحة هي الإصلاح لا الإذلال، والهداية لا الاستعراض، والمساعدة لا فرض السيطرة.
كيف يمكن لشخص أن يدعو إلى الأخلاق وهو يمارس السب والشتم والإهانة؟ وكيف يمكن لشخص أن يتحدث عن الفضيلة وهو يجرح كرامة الآخرين أمام الناس؟ إذا كانت وسيلة الدعوة نفسها غير أخلاقية، فكيف يمكن أن تكون النتيجة أخلاقية؟
إن الأخلاق ليست انتقائية. لا يمكن أن تطالب الناس بالالتزام وأنت لا تلتزم بأبسط قيم الصدق والاحترام والرحمة. ولا يمكن أن تجعل من نفسك واعظًا للآخرين وانت لا تمتلك ابسط ادوات الحوار خطابك عبارة عن وقاحة لا يمكن ان تنشر افكارك بينما تعجز عن ضبط لسانك عند الاختلاف. انا شخصيا ضد الافصاح عن الرأي … خاصة في المجتمعات العربية فرايي لايهم ورايكم لا يهم ومن الافضل ان يحتفظ كل احد برأيه لنفسه فما شأني او شأن الناس مثلا في رايك حول مواصفات زوجة احلامك او مواصفات الزوجة الصالحة بالنسبة لك…؟
والأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص يظنون أن أي إساءة تصبح مقبولة إذا كانت موجهة إلى شخص يعتبرونه مخطئًا. فيتحول السب إلى نصيحة، والتشهير إلى دعوة، والإهانة إلى أمر بالمعروف. وهنا تضيع الحدود بين الأخلاق والتسلط.
إن من يريد نصح الآخرين يجب أن يمتلك قبل كل شيء قدرًا من الحكمة والنضج الأخلاقي. عليه أن يفهم طبيعة الإنسان، وأن يمتلك ذكاءً اجتماعيًا يجعله يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى تكون النصيحة نافعة ومتى تتحول إلى أذى. فليست كل حقيقة يجب أن تُقال، وليست كل نصيحة يجب أن تُفرض.
ومن علامات النضج الأخلاقي أن يدرك الإنسان حدود مسؤوليته. فليس مطلوبًا منه أن يكون شرطيًا على المجتمع، ولا قاضيًا على الناس، ولا وصيًا على ضمائرهم. الإنسان مسؤول عن سلوكه قبل أن يكون مسؤولًا عن سلوك غيره.
الأخلاق الحقيقية ليست في ملاحقة الناس، بل في احترامهم وكف الاذى عنهم. ليست في التدخل في كل شيء، بل في معرفة الحدود. ليست في إدانة الآخرين، بل في محاسبة النفس أولًا. الم يقل الرسول المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانِه ويدِه ؟
وفي النهاية، المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الأوصياء، بل إلى مزيد من الأشخاص الذين يجسدون الأخلاق في سلوكهم اليومي. لأن القدوة الصالحة تؤثر أكثر من ألف خطبة، والاحترام يقنع أكثر من ألف إهانة، والأخلاق الحقيقية تُرى في الأفعال قبل الأقوال.
إن المجتمع لا يحتاج إلى المزيد من الأشخاص الذين يراقبون حياة الآخرين، بل إلى المزيد من الأشخاص الذين يتعلمون التواضع، واحترام الاختلاف، وحفظ كرامة الإنسان. لأن الكرامة ليست هدية يمنحها شخص لآخر، بل حق لكل إنسان مهما كان رأيه أو أسلوب حياته.
فالقيم لا تظهر في الشعارات التي نرفعها، وإنما في الطريقة التي نعامل بها الناس عندما نملك القدرة على جرحهم ثم نختار احترامهم بدل ذلك.
ابتسام



