أول امرأة دخلت الاسلام وأول من اسلم بإجماع المسلمين فلم يتقدمها رجل ولا امرأة كان اول صوت للإيمان في التاريخ صوت خديجة السيدة الثرية النبيلة في مكة، المرأة التي رغب رجال المدينة الاقوياء وذو المكانة في الزواج منها لكنها فتحت قلبها ليتيم لا يملك شيئا محمد الامين. حبيبة النبي ﷺ وخير زوجاته. قال عنها ﷺ إني قد رزقت حبها وقال أيضا ما ابدلني الله عز وجل خيرا منها .لقّبها النبي ﷺ بـ الطاهرة و كانت تُكنّى بـ أم القاسم، لم تكن مجرد زوجة بل بذلت كل ماتملك من مالها للاسلام …
كان رسول الله ﷺ يحبها كثيرا ويكن لها مكانة عظيمة في قلبه الشريف حتى بعد مماتها رضي الله عنها. فكان يكثر الحديث عنها ويكرم صديقاتها ويرسل اليهن الهدايا وفاءا واكراما لها رضي الله عنها. قدوة وخير مانقتدي به كنساء في هذا الزمن، سيدة نساء قريش وخير نساء هذه الأمة ام المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ بن كِلاب القرشية الأسدية. يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في الجد قصي بن كلاب فهي اقرب امهات المؤمنين الى النبي في النسب . أمها فاطمة بنت زائدة بن الأسود كان والدها خويلد بن أسد من أشراف مكة وكان سيدا في قومه ومن سفراء قريش ولدت السيدة خديجة ونشأت في بيت من أعرق بيوت قريش نسبا وحسبا وشرفا وكانت شخصيتها قوية ومؤدبة وخلوقة جدا.
قدر للسيدة خديجة رضي الله عنها أن تتزوج مرتين قبل أن يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وكان أول من تزوجها هو عتيق بن عائد المخزومي فوقفت معه السيدة خديجة وكانت تحاول بشتى الطرق أن تجعل له شأنا أكبر وفي ذلك درسٌ بليغ: أن من أسمى معاني الشراكة الزوجية أن يكون كلٌّ من الزوجين سببًا في رفعة الآخر، يشدّ أزره، ويقوّي عزيمته، ويذكّره بقيمته حين تعصف به الشكوك، ويؤمن به حين يتردّد الناس. لكن هذا الزواج لم يدم طويلا فقد مات عنها زوجها
وبعد فترة تقدم لخطبتها أبو هالة بن زرارة التميمي فوقفت بجانبه أيضا وساعدته كثيرا ولكنه مات عنها أيضا بعد أن أنجبت منه هند بن أبي هالة رضي الله عنه الذي نشأ وتربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فانصرفت السيدة خديجة بعد ذلك عن الزواج وعاشت حياتها بلا زوج مع انه تقدم لخطبتها الكثير من أشراف قريش وكل واحد منهم كان حريصا على الزواج منها لشرفها وجمالها ومالها رضي الله عنها، لكنها رفضت أن تتزوج أحد منهم كأن الله سبحانه وتعالى ألهمها ذلك حتى تتشرف بالزواج من النبي صلى الله عليه وسلم.
كانت السيدة خديجة امرأة غنية وبعد وفاة زوجها الأول والثاني ورثت مالا كثيرا وتجارة كثيرة أيضا فاتجهت رضي الله عنها إلى التجارة وهي المهنة التي اشتهرت بها قريش في ذلك الوقت فقد كانوا يسافرون إلى التجارة إلى بلاد الشام واليمن في الصيف والشتاء كما في قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ١ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ٢ )
ولأنها امرأة لاتناسبها المشقة لم تكن تخرج بنفسها للتجارة بل كانت تستأجر رجالا أمناء وترسلهم بمالها وتجارتها إلى الشام على أن تعطيهم أجرا مقابل ذلك … قال ابن إسحاق:( وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم ) اي تقرضهم مالها ليسافروا به للتجارة في مقابل أن تعطيهم راتب أو نسبة من الأرباح.
قال الذهبي رحمه الله: وهي ممن كمل من النساء كانت عاقلة جليلة مصونة كريمة وقديما كانت المرأة المتوفى زوجها أو المطلقة مثلها مثل التي لم يسبق لها زواج… ولكن نحن جعلنا الأمر صعب هذه الأيام في مجتمعاتنا والعادات المصطنعة لما حاولو من تقليل قيمة المرأة واهانتها… قديما عند العرب كانت المرأة الكاملة لا يعيبها شيء والسيدة خديجة رضي الله عنها كانت من أفضل نساء مكة لم يعرف عنها أنها تعبد الأصنام أو تشرب الخمر أو أنها كانت خبيثة أو كانت تكذب بل كان يعرف عنها الكمال في كل شيء في الأخلاق والعادات والقيم وفي كل شيء رضي الله عنها
الأمين والطاهرة
وكما نعرف الأخلاق تجمع وتفرق، تجمع بين المتآلفين في الأخلاق وتفرق بين المتناقضين فيها، وهنا جمعت الأخلاق الكريمة بين الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الطاهرة خديجة رضي الله عنها. في ذلك الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل مع عمه أبو طالب، ولكن أبو طالب كان رجلاً فقيراً كثير العيال، والتجارة لا تسري معه على أفضل حال. وكان النبي صلى الله عليه وسلم معروفاً في مكة بأنه الصادق الأمين.
فقال له عمه أبو طالب: "يا ابن أخي، أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا، وليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام" يعني ستخرج القوافل التجارية إلى الشام. وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في قوافل فيتاجرون لها في مالها ويأخذون أجراً مقابل ذلك. فلو جئت وعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من ضدقك وامانتك. هي تتمنى شخصاً مثلك لأنها تبحث عن الصدق والأمانة، مع أني أخشى أن تذهب إلى الشام وأخاف عليك من اليهود، ولكن لا نجد مفراً من ذلك.
ولكن غلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حياؤه وعزة نفسه، فقال لعمه أبو طالب: "فلعلها ترسل إليّ في ذلك". فوصل هذا الحوار الذي دار بين رسول الله وعمه أبو طالب إلى السيدة خديجة، وكانت قد سمعت قبل ذلك عن صدقه وأمانته، فقالت: "ما علمت أنه يريد هذا".
السؤال هنا: لماذا لم تطلب خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمل معها قبل ذلك؟
الجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل مع عمه أبو طالب، وفي عرف التجارة لا يصح أن آخذ شخصاً يعمل معك. لكن عندما علمت أن أبو طالب يقول له اذهب إلى خديجة، رأت أن هذه فرصة لن تعوض، فأرسلت على الفور للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت: "إنه قد بلغني عنك صدقُ حديثك، وعِظَم أمانتك، وحُسن خُلُقك، وأنا أعطيك من الأجر ما لا أُعطي غيرك من قومك“
فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما قابل عمه وأبو طالب حكى له ذلك، فقال له عمه: “إن هذا لرزق ساقه الله إليك”. كانت السيدة خديجة رضي الله عنها من عادتها أنها لا تثق في أحد بسهولة، فكانت تعين من يراقب ويأتي بأخبار من يعمل معها، حتى تطمئن أن أي شخص يعمل معها يتاجر باسمها وبمالها، فلا بد أن يكون صاحب أمانة وخلق. فكان لها غلام اسمه ميسرة، كان عينها التي ترى بها، فكان يسافر مع الشخص يراقبه ويلاحظه حتى يرجع ويحكي للسيدة خديجة كل ما حدث من الشخص وتقيم وترى إذا كان مناسبًا للعمل معها أم لا.وقد رافق محمد ﷺ في رحلته التجارية، ثم عاد يخبر خديجة بما رأى من صدقه وأمانته وبركته في البيع والشراء، وحتى بما لاحظه من أمور عجيبة أثناء السفر.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غلامها ميسرة، وقالت السيدة خديجة لميسرة: “لا تعص له أمرًا ولا تخالف له رأيًا”. فانطلق ميسرة مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى الشام، وأعجب ميسرة كثيرًا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وحسن معاملته وصدق حديثه، دلائل وعلامات عجيبة كانت تحفّ به صلى الله عليه وسلم.ومن هذه الأمور العجيبة أنه عندما يشتد الحر في وسط النهار، كان يرى النبي ﷺ يسير في الحرّ الشديد والظل يمشي معه، وكأنّ غمامةً تظلِّه، تتحرّك معه حيث تحرّك، وتميل معه حيث مال، لا تفارقه في طريقه. تخيل أنه كان يظله صلى الله عليه وسلم من أشعة الشمس، ولا يمسه شيء من الحر، والله تبارك وتعالى.
ولما قدموا إلى الشام، نزل النبي ﷺ تحت شجرةٍ قريبةٍ من صومعة راهب. فرآهم الراهب، فأقبل إلى ميسرة — وكان يعرفه — وقال: «من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟» فقال ميسرة: «رجلٌ من قريش» فقال الراهب: «ما نزل تحت هذه الشجرة قطٌّ إلا نبيّ».وفي طريق تجارتهم وقع بين النبي ﷺ وبين أحد التجار اختلافٌ في بيعٍ أو كلام، فقال له التاجر: «احلف باللات والعُزّى».فقال رسول الله ﷺ: «ما حلفتُ بهما قطّ».فلما رأى الرجل صدقه وثباته قال: «القولُ قولُك»، أي: قد صدّقتُك وأنت على الحق…
كل هذا، وميسرة يخزن ويحفظ هذه المواقف ليحكيها لسيدته خديجة عندما يرجع إليها. هذا غير البركة التي رآها ميسرة بالبضائع، فقد يسر الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في التجارة، فباع العتة التي خرج بها وربحها ربحًا وفيرًا، واشترى ما أراد أن يشتريه، ثم رجعوا إلى مكة. فلما قدموا على خديجة، لمالها بعد أن رجع بالنبي صلى الله عليه وسلم، فربح المال ضعف ما كان يربح أو أكثر، وأخبرها ميسرة بكل ما رأى من أحوال رسول الله العجيبة وأخلاقه الكريمة في هذه الرحلة. فذهبت السيدة خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر وقرأ كتب أهل الكتاب. فذكرت له ما أخبرها به ميسرة من شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: “لئن كان هذا حقًا يا خديجة، إن محمداً لنبي هذه الأمة”. فقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي منتظر، وهذا تمام القول.
كل هذه الأمور جعلت قلب السيدة خديجة رضي الله عنها يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ويمتلئ حبًا له وإعجابًا به عليه الصلاة والسلام، فرغبت في الزواج منه. خصوصًا أنها كانت امرأة ثرية عريقة النسب، معروفة بالحزم والعقل، وكان يطمح للزواج منها سادات وأشراف قريش، ولكنها كانت تحقر في كثير من الرجال أنهم قوام مال لا قوام نفوس. فكانوا يطمعون في أموالها، ولكنها عندما عرفت محمداً عليه الصلاة والسلام وجدت نوعًا آخر من الرجال، وجدت رجلاً لا تستهويه الدنيا ولا تغويه حاجة، فلم يتطلع إلى مالها ولا إلى جمالها، فقد أدى ما عليه ثم انصرف راضياً مرضياً.
فشعرت أنها وجدت ضالتها، وباتت تتمنى أن تكون زوجة له، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وكيف تجعله يفكر في الزواج منها ويتقدم لخطبتها؟ فقد جرت العادة أن المرأة تكون مخطوبة وليست خاطبة. كما أن السيدة خديجة لم تلاحظ على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفكر في الزواج، ولم تر بصره يرتفع إلى وجهها أو إلى وجه غيرها من النساء. والمرأة بأنوثتها تستشعر إن كان الرجل يهتم بها أو ينظر إليها. فأصبحت حائرة في أمرها ولا تعرف ماذا تفعل.
فجلست مع صديقتها نسيبة، وأخبرتها بكل ما يدور في نفسها، فطمأنتها نسيبة وهدأت من روعها وذكرتها بأنها ذات الحسب والنسب والمال والجمال، ثم خرجت من عندها وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرضت عليه أن يتزوج خديجة، ولكن بطريقة راقٍية. قالت: “يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟” فقال عليه الصلاة والسلام: “ما بيدي ما أتزوج به، يعني لا أملك شيئًا للزواج”. قالت: “فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟” فرد متفائلًا: “فمن هي؟” قالت على الفور: “خديجة بنت خويلد”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “وكيف لي بخديجة؟” فقالت له: “اترك الأمر عليّ”. قال: “إن وافقت فقد قبلت”.
وتأمل هنا كيف حفظت نسيبة مقام صديقتها خديجة وجعلتها مطلوبة وليست طالبة، مع أنه ليس عيبًا أن تطلب المرأة الرجل الذي تريد أن تتزوج سواء تبعث له أحدًا أو تطلبه بنفسها، لدوام العلم والأخلاق، أو قد يختار الأب زوجًا مناسبًا لابنته ويخبره بذلك، كما جاء في قصة موسى عليه السلام عندما عرض عليه الرجل الصالح أن يتزوج إحدى ابنتيه، قال: “إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمانية حجج، فإن أتممت عشرة فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين”.
وأيضًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عرض ابنته حفصة لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ولكن اعتذر عثمان عن الزواج، ثم عرضها على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فثبت أبو بكر ولم يرد حتى خطبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام، فزوجها له عمر بن الخطاب. فجاء أبو بكر واعتذر من عمر بن الخطاب وقال له: “والله ما منعني إلا أني فما كنت لأفشي سر رسول الله”. ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبلتها زوجة، ليس عيبًا أن يختار الأب زوج صالح للمرأة، ويسهل عليه الزوج، كما قلنا. إذا أرادت المرأة أن تفعل ذلك مع شخص محترم على الخلق والدين، تبعت له بطلب الزواج عن طريق وسيط، فلا يعيبها ذلك ولا ينقص من قدرها أبدًا. ونفيسة صاحبة خديجة فعلت أمرًا في غاية الجمال، وهو أنها جعلت خديجة مرغوبة وليست هي الطالبة، فجعلت النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى ذلك ويقول: “من يفتح لي الباب”. فقالت: “اترك الأمر علي”، وانطلقت نفيسة لتزف البشرى إلى خديجة رضي الله عنها.
وذهب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمانته إلى عم خديجة عمرو بن أسد، وتم الزواج بفضل الله عز وجل…
كم كان عمر السيدة خديجة عندما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم؟ اختلف أهل العلم في ذلك، لأنه لم يثبت فيه حديث صحيح. والمشهور بين الجمهور أهل العلم أن عمرها كان أربعين سنة، لكن هذه الرواية منقولة من طريق الواقدي، والواقدي ضعيف الرواية وليس بالثقة، لذلك فورت عن أهل العلم ولا يحتج بها.
وروي أن عمرها كان 25 سنة، وقيل 28 سنة. وهذه الرواية ذكرها ابن إسحاق، يقول ابن إسحاق: “وكان لها يوم تزوجها 28 سنة”. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “كان عمرها 28 سنة”. وهذا ما يرجحه كثير من أهل العلم، والله تبارك وتعالى أعلم.
بيت خديجة :
عاشت خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، فكانا أسعد زوجين وأكرم عروسين. كانت رضي الله عنها من خير الناس وأحب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أنه حدث بينهما أي خلاف أبدًا، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته الأخريات حدثت بينهم خلافات وإن كانت بسيطة، لكن خديجة رضي الله عنها، مع أنها أكثر واحدة عاشت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنجبت منه البنين والبنات، والمعروف أن بيت فيه أولاد لا يخلو من المشاكل، ومع ذلك لم تحدث ولا مشكلة واحدة.
أحبت السيدة خديجة زوجها محمد صلى الله عليه وسلم حبًا شديدًا، ملك عليها كل مشاعر حب الزوجة لزوجها الكريم، الذي تمثلت فيه مكارم الأخلاق. قدمت له نفسها ومالها، وكانت حريصة على أن تهيئ له كل أسباب الراحة والسعادة، وكانت تحب كل ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت مثالًا للزوجة الصالحة.
كانت رضي الله عنها تتولى خدمة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسها، ولا تكلف أحدًا غيرها بذلك. حتى أن جبريل عليه السلام نزل في يوم من الأيام على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب".
وفي هذا الحديث فضائل كثيرة جدًا لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. قال ابن حجر رحمه الله: كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط، كما وقع لغيرها، فكان الجزاء من جنس العمل. وبشرها جبريل عليه السلام ببيت في الجنة من قصب، يعني قصر من اللؤلؤ المجوف، لا صخب فيه ولا نصب، يعني ليس فيه إزعاج ولا تعب، مع أن الجنة كلها راحة وليس فيها تعب ولا إزعاج، لكن هذا البيت مميز جدًا، لأن بيت خديجة كان هكذا في الدنيا، وجعلت النبي صلى الله عليه وسلم يعيش في راحة، وامتلأ قلبها رضي الله عنها بحب النبي صلى الله عليه وسلم وتقديره واحترامه، وهي ترجو أن يكون له شأن كبير.
روى الفاكهي في كتاب مكة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث بعده جارية له يقال لها نبأ، فقال لها: “انظري ما تقول له خديجة”. قالت نبأ: فرأيت عجبًا، ما هو إلا أن سمعت به خديجة، فخرجت إلى الباب، فأخذت بيده، فضممتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: “بأبي وأمي والله ما أفعل هذا لشيء، ولكنني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستدع، فإن تكن هو فأعرف حقي ومنزلتي، ودعوا إلى الإله الذي يبعثك لي”. فقال لها: “والله لئن كنت أنا هو قد صنعت عندي ما لا أضيعه أبدًا”.
فعرف النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة خديجة حقها ومنزلتها، فبادلها حبا بحب ووفاء بوفاء، فلم يتزوج عليها في حياته، وصان قلبها من الغيرة عليه، وعاش معها وحدها أكثر مما عاش مع غيرها. فقد عاش صلى الله عليه وسلم بعد أن تزوج خديجة ثمانية وثلاثين عامًا، وانفردت خديجة منها بخمسة وعشرين، وبقي على محبتها والوفاء لها إلى أن توفاه الله تعالى. فقد قال عنها : “إني قد رزقت حبها”.
كانت خديجة رضي الله عنها امرأة حكيمة عاقلة، تغلبها العاطفة، وهذا دور المرأة في البيت، فالرجل لا يملك العاطفة التي تمتلكه المرأة، لذلك المرأة دائمًا سند لزوجها إذا كانت صالحة، وكانت لا تزاحمه أو تجعل نفسها ندًا له. وخديجة رضي الله عنها كانت هكذا، عاقلة حكيمة، وكانت ودودة ولودة، وهذا من محاسن المرأة، ويدل على كمال أنوثتها.
وكل أبناء النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله عنها، فقد أنجبت له القاسم، وبه يكنى صلى الله عليه وسلم، وأنجبت له زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ثم عبد الله. أما إبراهيم فهو من مارية القبطية رضي الله عنها.
السيدة خديجة بعد الزواج تفرغت للبيت، وتركت أمور التجارة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت مثالًا لكل زوجة وأم، ربت أبنائها أحسن تربية، فكانت من تربيتها فاطمة من أكمل نساء الأمة، وكان من أحفادها الحسن والحسين، وكل هذا في ميزان حسناتها إن شاء الله.
وكانت أماً صبورة، لأنها صبرت على موت أولادها وهم صغار، ونحن نعرف كم هو صعب أن يموت لأم كل أبنائها صغار، ومع ذلك صبرت وربت بناتها أحسن تربية. صبرت على طلاق بناتها رقية وأم كلثوم، لأنهم كانوا متزوجين من أولاد أولها، ولكن العلم حتى الآن كان مجرد عقد رافع ولم يدخل كل واحد منهما بزوجته بعد. فعندما جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، أمر أبو لهب أولاده أن يطلقوا بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وبالفعل تم الطلاق، فصبرت رضي الله عنها.
صبرت على هجرة رقية إلى الحبشة، لأنها هاجرت مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه، صبرت على ابتلاءات كثيرة جدًا، وكانت دائمًا للنبي صلى الله عليه وسلم تسانده وتخفف عنه، وتتفانى في طاعته ورضاه.
مرت الأيام والسنين، وبدأت بشائر النبوة تظهر على رسول الله، وابتدأ الوحي ينزل عليه بالرؤية الصادقة.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: “أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح”.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى غار حراء حتى يخلو بنفسه بعيدًا عن الناس، فيتعبد لله تعالى ليالي وأيامًا عديدة، ويأخذ ما يكفيه من الطعام والشراب لتلك الليالي، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتزوده بما يحتاج إليه من الطعام والشراب، فيرجع إلى غار حراء ويتعبد لله تعالى، فإذا نفد زاده رجع صلى الله عليه وسلم إليها، وهكذا.
في هذه الفترة احتملت خديجة رضي الله عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وصبرت على مفارقته لها. ومعروف أن المرأة تغضب إذا ابتعد عنها زوجها، وتصابها الغيرة عليه، وتخاف أن يكون بعده بسبب كره لها أو ميله إلى امرأة أخرى، وما شابه ذلك، ولكن خديجة رضي الله عنها خالفت جميع النساء في هذا الأمر، فجوهرها الصافي يختلف عن جوهر باقي النساء.
كانت رضي الله عنها تحب كل ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام يحب العزلة والخلوة لنفسه، فليكن ما يحب، كانت فقط تقلق عليه وتخاف أن يصيبه مكروه، وإذا تأخر في العودة إليها ترسل بعض خدمها في طلبه والبحث عنه.
استمر النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، يخلو بنفسه ويتعبد لله تعالى حتى أشرقت عليه أنوار النبوة، ونزل عليه الوحي الصادق، ولم يشعر إلا وجبريل واقف أمام عينيه ويقول له: “اقرأ”. فأجابه صلى الله عليه وسلم: “ما أنا بقارئ”، يعني: كيف أقرأ وأنا أمي لا تعرف قراءة؟
أمسك به جبريل واحتضنه وضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه أقصى ما تتحمله الضيقة البشرية. وقال جبريل عليه السلام ذلك لتقوية نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنشيط قلبه على تلقي الوحي الإلهي، ثم تركه بعد ذلك، فقال له: “اقرأ”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أنا بقارئ”، فضمه جبريل مرة ثانية، ثم تركه، وقال له: “اقرأ”. فاعتذر له النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، وقال: “ما أنا بقارئ”. فضمه جبريل مرة ثالثة، ثم تركه، وقال: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، حتى وصل إلى قوله تعالى: “علم الإنسان ما لم يعلم”، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو يرتجف من الخوف، حتى دخل على خديجة رضي الله عنها، فقال: “زملوني، زملوني”، يعني: غضوني بالثياب.
فغبطته رضي الله عنها كما طلب منها، وحاطته برعايتها وحنانها، حتى هدأ نفسه وزاح عنه الخوف. عندئذ سألته، فقص عليها صلى الله عليه وسلم ما رأى، وأخبرها بما سمع. وقال لها: "لقد خشيت على نفسي". فقالت له رضي الله عنها بكل ثقة: "كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا". تأمل في قوة يقينها وثقتها بالله سبحانه وتعالى. من يفعل ذلك من النساء؟ بل من في الرجال من يفعل ذلك؟ فرضي الله عن أم المؤمنين خديجة وجزاها الله عنا خيرًا.
قال ابن حجر رحمه الله: صدقته من أول وهلة، ومن ثباتها في الأمر ما يدل على قوة يقينها، ورجاحة عقلها، وصحة عزمها.
قالت: "والله لا يخزيك الله أبدًا". ثم بعد ذلك جعلت تهون عليه ما هو فيه، فقالت له: "إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل"، أي تساعد العاجز والضعيف، وتكرم الضيف، وتعين على نوائب الحق. لم تستدل بكلام الراهب والأمور القديمة، بل ذكرته بصفاته وضيائه الجديدة.
ولم تكتف رضي الله عنها بذلك، بل ذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ كتب أهل الكتاب، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله له أن يكتب. وكان في ذلك الوقت شيخًا كبيرًا قد عمي.
فقالت له خديجة: "يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك". فقال له ورقة: "يا ابن أخي، ماذا ترى؟" فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال ورقة: "هذا الناموس، يعني جبريل الذي أنزل على موسى. يا ليتني فيها جذعًا أي شبابًا قويًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك من مكة".
فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهو مخرجي لهم؟" فأجابه ورقة: "نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي"، يعني عاد الناس وعادوه لأنه يدعوهم إلى دين جديد على غير ما ألفوه واعتادوا عليه.
ثم قال ورقة لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وإن يدركني يوم ان بشار نبوتك حيًا أنصرك نصراً قوياً". ولكن الأقدار في يد الله عز وجل، فلم يلبث ورقة أن توفي.
بعد انتهاء سنوات الحصار والخروج من الشعب توفي أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، خصوصًا أنه مات على الكفر. وفي نفس العام ماتت خديجة رضي الله عنها، فتتابعت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم بوفاة خديجة رضي الله عنها، وعرف هذا العام بعام الحزن. أصبح النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد إلى البيت مأموماً مكروبًا من كثرة ما يلقى من أذى المشركين، ولا يرى وجه خديجة رضي الله عنها وهي تستقبله بإشراقة وجهها وصفاء ابتسامتها، ففقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتسامة الثقة والأمل التي كانت تستقبله بها، وفقد كلمات التثبيت التي كانت تثبته بها رضي الله عنها. رحلت خديجة رضي الله عنها عن الدنيا وتركت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ذروة المعاناة لما يلقاه من أذى المشركين وإعراضهم وكيدهم، وبقيت ذكراها في قلبه الشريف حية قوية، فلم تفارقه حتى آخر أيام حياته صلى الله عليه وسلم. ومع أنه عليه الصلاة والسلام تزوج بعد موتها أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وكن في غاية المحبة له، ويتنافسن في محبته وخدمته، ويتسابقن إلى ضاعته ورضاه، لكنه لم ينس خديجة رضي الله عنها، وكان يذكرها حتى أمام أحب نسائه إليه، أمام السيدة عائشة رضي الله عنها، التي كان يقال عنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة رضي الله عنها تغار من كثرة ذكره صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها، تقول: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها".
كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أجزاء ثم يبعثها في صديقات خديجة، يعني يهدي إلى كل واحدة من صديقاتها نصيبًا من الشاة، فكان صلى الله عليه وسلم يكرم صديقات خديجة ويهدي إليهن الهدايا وفاءً لخديجة رضي الله عنها، وذلك من شدة محبته لها ومحافظته على مودتها. تقول عائشة رضي الله عنها: "فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة"، فيقول: "إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد"، فيعدد في محاسنها وفضائلها. إضافة إلى ذلك، قد رزقه الله منها الولد، فكان جميع أبنائه صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها، إلا إبراهيم كان من جاريته ماريا القبطية. وفي يوم من الأيام استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، يعني صفة استئذان خديجة لشبه صوتها بصوت أختها، فارتاح لذلك، فقال: "اللهم هالة بنت خويلد"، يعني: اللهم اجعلها هالة. فعرض السيدة عائشة رضي الله عنها، وقالت: "وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشقين هلكت في الدهر، فابدلك الله خيرًا منها"، والشق هو جانب الثم، وتقصد سقوط الأسنان من الكبر، فلم يبق بثمتها إلا حمر اللثة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وورثتني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء".
هذه كانت نبذة مختصرة من سيرة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وعن جميع أمهات المؤمنين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا معها في الفردوس الأعلى، وأن يجعل بناتنا ونساءنا مثل خديجة، هذه القدوة التي لا تتكرر عبر الزمان.
شكرا لوقتكم






أشكررك! أستمعت جددااً جدااً
شكرا قرئتها باستمتاع 🫶🏻