الوحدة… حين لا نختارها لكنها تختارنا
أحيانًا لا نقرر أن نكون وحدنا، لكننا نجد أنفسنا كذلك. كأن الحياة فجأة تُفرغ الغرفة من الأصوات، وتتركنا أمام صمت ثقيل لا يشبه الراحة بل يشبه الامتحان. نظن أن الوحدة قرار، ثم نكتشف أنها قدر مرحلي، طريق لا بد أن نمرّ به حتى لو لم نخطط له.نكتشف اننا مهما حاولنا كل محاولاتنا فاشلة ولا هرب من الوحدة المحتومة.
الوحدة ليست دائمًا غياب الناس، بل غياب الشعور بالمرافقة. قد نكون وسط عائلة وأصدقاء، ومع ذلك نشعر بأننا نمشي في طريق لا يراه غيرنا. هناك مسارات داخلية لا يستطيع أحد أن يعبرها معنا: صراعاتنا، شكوكنا، أسئلتنا الوجودية، خوفنا من المستقبل. في تلك اللحظات، نفهم أن بعض الطرق تُقطع فرديًا، مهما أحبنا الآخرون.
أحيانًا نحزن لأننا لم نختر أن نكون وحدنا. لم نطلب أن تبتعد بعض الوجوه، ولا أن تخذلنا الظروف، ولا أن تتغير العلاقات. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق رغبتنا في الصحبة. فبعض المراحل تُجبرنا على مواجهة أنفسنا دون وسطاء، وكأنها تقول لي: تعلّمي أن تكوني كافية لذاتك، قبل أن تبحثي عمن يُكملك.
الوحدة في بدايتها مؤلمة؛ لأنها تكشف فراغًا كنا نملؤه بالآخرين. فجأة نصبح أمام أنفسنا بلا ضجيج. نكتشف هشاشتنا، احتياجنا، تعلقنا. وربما نغضب: لماذا لا أحد يمشي معي؟ لماذا أشعر أن الطريق ثقيل وحدي؟
لكن مع الوقت، تتحول الوحدة من عدو إلى معلم. تعلمنا أن نصادق أنفسنا، أن نفهم إيقاعنا الخاص، أن نسمع صوتنا الداخلي الذي كان يغرق وسط أصوات كثيرة.
هناك حقيقة صعبة: لا أحد سيعيش حياتنا بدلًا عنا. لا أحد سيتحمل ألمنا كاملًا، ولا سيشعر بكل تفاصيل قلقنا. حتى أقرب الناس، يرافقوننا جزءًا من الطريق، ثم يتوقفون. ليس لأنهم لا يحبوننا، بل لأن لكل إنسان مساره الخاص. حين ندرك هذا، تتغير نظرتنا للوحدة. لا تعود علامة نقص، بل علامة نضج. نبدأ نفهم أن الاعتماد الكلي على وجود شخص دائم معنا وهم جميل لكنه غير واقعي. البشر يتغيرون، العلاقات تتحول، الطرق تتباعد. أما نحن، فنظل الرفيق الوحيد الذي لا يغادر.
التعايش مع الوحدة لا يعني الاستسلام للعزلة أو إغلاق القلب، بل يعني أن نصنع داخلنا بيتًا آمنًا. أن نحب أنفسنا دون شروط، أن نطبطب على قلوبنا حين لا يفعل أحد، أن نحتفل بإنجازاتنا الصغيرة حتى لو لم يصفق أحد.
أن نقول: نعم، ربما لم أختر أن أكون وحدي الآن، لكنني أستطيع أن أكون سند نفسي.
وفي الحقيقة، كثير من التحولات الكبرى تولد في لحظات الوحدة. عندما لا يكون هناك من يشوشنا، نرى أنفسنا بوضوح أكبر. نعيد ترتيب أولوياتنا. نكتشف ما نريده حقًا، لا ما فُرض علينا. الوحدة تمنحنا فرصة لإعادة تشكيل هويتنا بعيدًا عن توقعات الآخرين.
قد لا يمشي أحد معنا طوال الطريق، لكن هذا لا يعني أن الطريق بلا معنى. أحيانًا أجمل أشكال القوة هي أن تمشي وحدك، لا لأنك لا تحتاج أحدًا، بل لأنك تعلمت أن وجودك بذاته كافٍ لتستمر.
الوحدة ليست نهاية الحكاية، بل فصل من فصولها. قد يطول، قد يقصر، لكنه يعلّمنا درسًا لا نتعلمه وسط الزحام:
أننا، في أعمق نقطة داخلنا، قادرون على أن نكون الرفيق، والمواسي، والحارس لأنفسنا.
وربما حين نتقن العيش مع أنفسنا، يصبح حضور الآخرين إضافة جميلة، لا ضرورة نخاف فقدانها.
لست بخير الآن، وهذه حقيقة لا أخجل ولا اخاف من الاعتراف بها. لكنني أؤمن أنني سأكون بخير يومًا ما، ما دمت أحاول، ما دمت أسعى للتغيير، وما دمت أبحث عن المعنى الحقيقي للحياة. يقيني لا ينبع من قوتي أنا، بل من إيماني بربي؛ من ثقتي أنه يحبني وليست مجرد ثقة بل لمست حبه لي واستشعرته في مراحل كثيرة من حياتي لطالما صرف عني من الشرور ما لم أره و أبعد عني أشياء تمنيتها، لم يكن يحرمُني بل كان يحميني. أؤمن أن كل تأخير يحمل في طياته رحمة، وأن كل انكسار كان يعيد تشكيل روحي بطريقة أنقى وأصدق.، ليقودني إلى خيرٍ يشبه صفاء روحي. ربما لا أرى الخير الآن، وربما لا أفهم الحكمة كاملة، لكنني أشعر… أشعر أن هناك شيئًا جميلًا يُعدّ لي بصمت. شيئًا يستحق هذا الصبر كله. شيئًا سيجعلني يومًا ما أبتسم وأنا أقول: “الآن فهمت.”
أشعر في أعماقي أن هناك شيئًا يستحق الانتظار ينتظرني… ربما لم يحن وقته بعد، لكنني أعلم أن لكل شيء موعدًا إلهيًا لا يتقدم ولا يتأخر.
وما دام الله يدبّر أمري، فأنا أستطيع أن أصبر، وأستطيع أن أؤمن، وأستطيع أن أستمر
اتمنى لكم يوما طيبا
إبتسام





كلماتك مبهرة، بوركتِ، وبورك حرفك.