في مرحلةٍ من حياتي كنت أظن أن السعي في الدنيا يعني فقط أن أبذل جهدي لأصل إلى ما أريد، وأن أطرق الأبواب حتى يفتحها لي الناس. كنت أتحرك كثيرًا، لكن قلبي كان ما يزال متعلقًا بالخلق، أنتظر منهم الحلول. ومع الوقت أدركت حقيقة غيّرت نظرتي للسعي كلها: أن الإنسان لا يسعى إلى الناس في الحقيقة، بل يسعى إلى الله، وأن الله هو الذي يسخّر الأسباب والناس معًا. منذ تلك اللحظة تغيّر معنى السعي في حياتي، وأصبح طريقًا آخر تمامًا.
في وقت لاحق شغلت فكري طويلًا. كنت أعيش في حيرةٍ، هل السعيٌ بالقلب وحده، نيةٌ خالصة وتوكّل صادق؟ أم هو حركةُ قدمٍ، وتعبُ جسد، ومجاهدةُ واقع؟ كيف يُطلب منّي السعي، لي وربٌّ قادرٌ على كل شيء يتولّى أمري؟ ربٌّ لو شاء لأذهب الخلق واتى بخلق اخر بكلمةٍ واحدة: “كن” فيكون؟
إذا كان الله يقول للشيء كن فيكون، فلماذا يتركني أتعثر في الطريق إليه؟ لماذا أطرق الأبواب مرارًا، وأبذل جهدي، وأدعو، وأنتظر… بينما هو سبحانه قادر أن يختصر عليّ المسافة كلها في لحظة؟ لماذا يجعلني اتحمل الالم وهواقرب لي واحن علي من اهلي وهو قادر على قلب الموازين في اقل جزء من الثانية وهو لا يعجزه شيئ سبحانه؟
كان سؤالًا يتفرّع إلى مئات الأسئلة. فكنت أرفعها كلّها إلى السماء:
يا ربّ، أأمضي في هذا الطريق أم أتوقّف؟ أهذا الذي أريده هو مما أردته لي؟ أأسعى إليه فأجده، أم أطارده فيكون سرابًا لم يُكتب لي أصلًا؟ أأجتهد وأبذل، أم أركن للانتظار؟هل سأحصل على ما أبحث عنه في النهاية أم سأضيع وقتي في التفكير في أمر لم تكتبه لي من الأساس؟ ماذا أفعل يا ربي؟
تساؤلاتٌ تتزاحم في صدري، لكنّي كنت أوقن أن الله لا يترك عبدًا صادقًا في حيرته. هو العليم بما يضطرب في أعماقنا، بما نخفيه قبل أن ننطقه، وبما نهمس به لأنفسنا في عتمة الليل. كما قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. هو يعلم أدقّ خفقات القلب، وأخفى ارتعاشات الروح. وحين قال لنبيّه ﷺ: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، ففي ذلك إشعارٌ بأن حتى الالتفاتة الصامتة، والحيرة العابرة، ونظرة الانتظار إلى السماء، كلّها مرئية عند الله، محسوبة بعلمه، محتضنة بعنايته. فإذا كان الله يعلم كلّ ذلك، ويملك كلّ شيء، ويقدر على كلّ شيء… فما سرّ السعي إذن؟ ولماذا نُؤمر بالحركة في عالمٍ تسيره مشيئته المطلقة؟
في الحديث عن السعي، لا يمكن أن نتجاوز قصة امرأة عظيمة أصبحت قصتها درسًا خالدًا لكل من يبحث عن معنى السعي الحقيقي. إنها قصة هاجر رضي الله عنها. تخيّلوا المشهد معي قليلًا: صحراء قاحلة لا أثر فيها للحياة، لا ماء ولا زرع، ولا بشر يلوذ بهم الإنسان. صمت واسع يمتد في كل الجهات، وفي وسط هذا الفراغ تقف امرأة مع طفلها الرضيع. لا سند إلا الله، ولا سبب ظاهر للنجاة. هكذا كان حال السيدة هاجر رضي الله عنها عندما تركها زوجها إبراهيم عليه السلام في ذلك الوادي المقفر.
كان ذلك من أشد المواقف قسوةً على النفس؛ أن يترك الرجل زوجته وطفله الصغير في مكان لا أنيس فيه ولا حياة. وضع إبراهيم عليه السلام عندهما جرابًا فيه شيء من التمر، وسقاءً فيه قليل من الماء، ثم انصرف ممتثلًا لأمر الله.
لم تستطع هاجر أن تقف صامتة أمام هذا الموقف، فتبعته تسأله: “يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟” كانت تكرر السؤال مرارًا، لكن إبراهيم عليه السلام لم يكن يلتفت، لأنه يعلم أن الأمر أمر الله، وأن الطاعة في مثل هذا الموطن تحتاج إلى قلب ثابت. وأخيرًا سألته السؤال الذي يختصر كل شيء: “آلله أمرك بهذا؟” فقال: نعم. عندها قالت كلمتها العظيمة التي تختصر معنى التوكل كله: “إذن لا يضيعنا الله”.
لم تكن هذه الجملة مجرد كلمات قالتها لتواسي نفسها، بل كانت يقينًا عميقًا يسكن قلبها. أدركت أن من سلّم أمره لله فهو في رعايته، وأن من كان الله معه فلن يضيعه، سواء كان في قمة جبل، أو في وسط بحر، أو في صحراء موحشة لا يراه فيها أحد. مكثت هاجر مع طفلها إسماعيل عليه السلام، ترضعه وتشرب من الماء القليل الذي تركه إبراهيم عليه السلام. لكن الأيام مضت، حتى نفد الماء من السقاء، واشتد الحر في تلك الأرض، وبدأ العطش يشتد على الطفل الصغير.
حينها بدأ قلب الأم يضطرب. كانت ترى رضيعها يتلوى من شدة العطش، ولم تعد تحتمل النظر إليه وهو يعاني. فانطلقت تبحث عن أي أثر للحياة، أو قطرة ماء تنقذ طفلها. اتجهت أولًا نحو جبل الصفا، لأنه أقرب مكان مرتفع إليها، فصعدت عليه لعلها ترى إنسانًا في الأفق أو قافلة تمر. لكنها لم تر شيئًا. نزلت من الصفا مسرعة، ثم اتجهت نحو المروة، وأخذت تسعى بين الجبلين في حر شديد وتعب بالغ. كانت أمًّا مرضعة، منهكة، تواجه صعوبة في صعود الجبل والنزول منه، ومع ذلك لم تتوقف. سعت مرة… ثم مرة أخرى… حتى بلغ سعيها سبع مرات.
لم يكن ذلك سعي إنسان مرتاح، بل كما ورد في الحديث: سعي الإنسان المجهود، أي الذي بلغ منه التعب غايته.
وفي كل مرة كانت تصعد إلى المروة وتنظر حولها، لكنها لا ترى أحدًا. ومع ذلك لم تيأس، ولم تقنط، بل استمرت في السعي، موقنة أن الله الذي أمر بهذا الأمر لن يضيعها.
وفي تلك الأثناء، كان إبراهيم عليه السلام قد مضى بعيدًا حتى بلغ موضعًا لا يستطيعان رؤيته فيه. هناك وقف، واستقبل البيت، ورفع يديه داعيًا ربه بهذا الدعاء العظيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
كان هذا الدعاء أشبه باستوداع لله؛ استوداعٍ لأهله في مكان لا حياة فيه. ومن يستودع الله شيئًا لا يخاف عليه، لأن الله لا تضيع عنده الودائع. ولهذا من أحب الأدعية إلى قلبي قول: “أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه”، موقنة أن الله يحفظ ما استودعته عنده، فهو الحفيظ سبحانه.
وحين دعا إبراهيم عليه السلام أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إليهم، لم يكن يقصد مجرد أناس عابرين، بل قلوبًا حية تمشي على الأرض. وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ محمد المقرمي في تدبره لهذه الآية، حين قال إن المقصود ليس مجرد بشر، بل أفئدة تتحرك بالمحبة والرحمة. فالفؤاد هو موضع الإحساس والشعور، وكأن الآية تصف قلوبًا تمشي نحو هذا المكان. وهذا المعنى يذكّرنا بحديث رسول الله ﷺ حين قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير».
وهكذا تحققت دعوة إبراهيم عليه السلام؛ فقد مرّت قبيلة فرأت الماء عند هاجر وطفلها، فتأثروا بحالهما، ومالت قلوبهم إليهما، فاستأذنوا في السكن بالقرب منهما. عاش إسماعيل بينهم، وتزوج منهم، ومن ذريته خرج محمد ﷺ، الذي أرسله الله رحمة للعالمين. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الأرض المباركة مقصد القلوب، وكلما تردد العبد على هذه المشاعر ازداد تعلقه بها، وازداد شوقه إليها، وكأن القلوب تعود إلى المكان الذي بدأت فيه قصة السعي الأولى.
وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إن النبي ﷺ قال: «فذلك سعي الناس بينهما».فأصبح سعيها شعيرة يتعبد بها المسلمون إلى يوم القيامة، اقتداءً بهذه المرأة التي جسدت معنى التوكل الصادق مع السعي. عندما أتأمل هذا التكريم الذي منحه الله عز وجل لـ هاجر ولنساء المؤمنين والصالحين عبر التاريخ، أدرك أن الله لا ينسى شيئًا أبدًا. لا تضيع عنده خطوة خُطيت بتعب، ولا دمعة سقطت في خلوة، ولا لحظة صبرٍ ظن صاحبها أنها مرت دون أن يراها أحد. فالله لطيف بعباده، رحيم بهم، يحيطهم بعنايته حتى في أكثر اللحظات التي يشعرون فيها بالضياع أو الانكسار. قد تمرّ بنا أوقات من الإحباط، وقد نتعب ونفقد الأمل، لكن الحقيقة التي تعلمناها من هذه القصص أن الله لا ينسى تعب عبده، وأن الإنسان سيصل يومًا إلى لحظة يدرك فيها أن رحمة الله كانت تحيطه من كل جانب، حتى حين لم يكن يراها.
هذا المشهد يجعلني كثيرًا ما أفكر في حياتنا نحن أيضًا. فكم من مرة وجد الإنسان نفسه كأنه في صحراء قاحلة، يشعر أن الطرق أغلقت في وجهه، وأن الأبواب كلها قد أُوصِدت. قد يتخلى عنك أقرب الناس، وتنقطع عنك أسباب المعونة، وتجد نفسك وحيدًا كما كانت هاجر في تلك الصحراء. وهنا يظهر السؤال الحقيقي: كيف يكون حال قلبك في تلك اللحظة؟ هل يستطيع أن يقول بثبات: لن يضيعنا الله؟
لقد تعبت هاجر وسعت، وركضت بين الصفا والمروة مرة بعد مرة، تبحث عن الماء ولا تجد شيئًا. ومع ذلك لم تتوقف. استمرت في السعي حتى سمعت صوتًا، لكنها لم تكن تعرف من أين يأتي. وإذا بـ جبريل عليه السلام ينزل بأمر الله. سألها: “من أنتِ؟” فقالت: “أنا أم ولد إبراهيم”. ثم سألها: “إلى من وكلكما في هذا المكان؟” فقالت دون تردد: إلى الله. فقال لها: “وكلكما إلى كافل”. ثم ضرب الأرض بجناحه أو برجله، فانفجر الماء وظهرت بئر زمزم، ليصبح ذلك النبع بعد لحظات اليأس مصدر حياة ورزق ورحمة لأجيال لا تُحصى. وهنا يكمن جوهر القصة. فالسؤال الذي طرحه جبريل لم يكن مجرد سؤال، بل كان اختبارًا للقلب: إلى من تتعلق حين تضيق بك الدنيا؟ فمع كل التعب الذي بذلته كان يمكن لها أن تشعر بالوحدة وتقول: “ليس معنا أحد”، لكنها لم تقل ذلك. قالت ببساطة وثقة: إلى الله. ذلك هو اليقين الذي يريد الله أن يربّي قلوبنا عليه.
في قصة إبراهيم عليه السلام يتجلى معنى السعي والتسليم بأوضح صورة. فهذا النبي العظيم الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ لم يكن أمة بكثرة أتباعه، بل بعظمة يقينه وتسليمه لربه. حتى إن الله اصطفاه وشرّفه بلقب خليل الله، لأن قلبه بلغ درجة نادرة من التعلق بالله، درجة يصبح فيها أمر الله عنده فوق كل شيء.
لقد كانت حياة إبراهيم سلسلة من الابتلاءات التي تمتحن هذا التسليم. فابتُلي أولًا حين أُمر أن يترك زوجته هاجر وطفله الرضيع إسماعيل في وادٍ قاحل لا زرع فيه ولا ماء. كان مشهدًا يمزق القلب: زوجة وطفل في صحراء خالية، وأب يمضي مبتعدًا وهو يعلم أنه لا يملك لهما شيئًا إلا أن يستودعهما الله. ومع ذلك مضى، لأن الأمر جاء من الله، ولأن قلبه تعلم أن يسلم حيث لا يفهم.
لكن الابتلاء الأعظم جاء بعد ذلك بسنوات، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه الذي طالما انتظره. لم يكن هذا حلمًا عابرًا، بل أمرًا إلهيًا واختبارًا قاسيًا يقيس عمق التسليم في قلبه. ومع ذلك لم يخفِ الأمر عن ابنه، بل توجه إليه بصراحة، وكأنه يفتح له باب المشاركة في هذا الامتحان. وهنا يظهر المشهد الذي يدهش القلب: لم يكن التسليم من الأب وحده، بل من الابن أيضًا. قال إسماعيل لأبيه بثبات عجيب: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
ولهذا قال الله تعالى بعدها: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. لم يقل: “أسلم إبراهيم”، بل قال “أسلما”؛ لأن التسليم كان مشتركًا بين قلبين اجتمعا على الطاعة. كان أبٌ يقدّم أعز ما يملك طاعةً لله، وابنٌ يقدّم نفسه راضيًا بما اختاره الله له. وهنا يظهر درس عميق في حياة المؤمنين: أن لحظات الابتلاء تصبح أخف حين تتشارك القلوب نفس الإيمان ونفس التسليم.
فكثيرًا ما يضعف الإنسان عندما يواجه المصيبة وحده، أو عندما يجرّه من حوله إلى التردد والاعتراض. لكن في بيت إبراهيم كان الأمر مختلفًا؛ زوجة تقول: “آلله أمرك بهذا؟ إذن لا يضيعنا الله”، وابن يقول: “افعل ما تؤمر”. وهكذا اجتمعوا جميعًا على نفس الحقيقة: إذا جاء الأمر من الله فليس للمؤمن إلا أن يقول سمعنا وأطعنا. قد يبدو هذا الطريق صعبًا على النفس، لأن العاطفة البشرية تدفعنا أحيانًا إلى التعلق بما نحب، أو إلى التراجع خوفًا من الفقد. لكن هذه القصص تعلمنا أن ما يأمر الله به، وإن بدا قاسيًا في لحظته الأولى، يحمل في طياته خيرًا لا نراه. كما قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
لقد وصل إبراهيم إلى اللحظة الفاصلة، حين وضع السكين على عنق ابنه مستعدًا لتنفيذ الأمر. وهنا فقط جاء النداء من السماء: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
لم يكن الله يريد الذبح، بل أراد أن يرى تلك اللحظة التي يصبح فيها قلب الإنسان مستعدًا لأن يترك أعز ما يملك من أجل الله. تلك اللحظة التي يبلغ فيها التسليم كماله. وهنا يتجلى السعي الحقيقي: أن يبذل الإنسان ما يستطيع من طاعة وتسليم، ثم يترك النتائج كلها بين يدي الله.
لكن هذا السعي لم يكن سعيًا عشوائيًا، بل كان رحلة طويلة من التساؤل والتفكر. فقد مر إبراهيم عليه السلام بمراحل من الشك والبحث عن اليقين: من ربي؟ وكيف يحيي الله الموتى؟ وحتى عند وضعه أمام أقدس الابتلاءات، مثل ترك زوجته وولده في صحراء قاحلة أو رؤياه بذبح ابنه إسماعيل، لم يأتِ التسليم فجأة، بل بعد جهد طويل، وسعي بالأسئلة والتدبر واليقين المتدرج.
وهذا درس لكل من يسعى في حياته: أن السعي لا يقتصر على الحركة الجسدية أو الطلب المباشر، بل يشمل البحث، والتفكر، والاستفهام، وتجربة الصبر حتى يتبلور القلب على التسليم الكامل لله. فكما قال ابن القيم: “لو أن أحدكم همّ بإزالة جبل وهو واثق بالله لأزاله”، أو كما الطير الذي يتوكل: “تغدو خماصًا وتروح بطانًا”، فإن السعي الحقيقي يبدأ بالنية لله، والتوجه إليه في كل خطوة، وترك النتائج بين يديه.
حين سعت النفوس نحو الله وحده، أصبحت كل محاولة، كل عقبة، وكل خيبة وسيلة لتطهير القلب، ولتقوية الإيمان. لم يعد السعي للمال أو للجاه، بل للسعي إلى الله وحده، حينها يصل الإنسان إلى مرحلة القلب السليم واليقين الكامل، قلب يترك كل شيء لله، ويستقبل كل شيء برضا، ويصبح ما يأتيه مباركًا ومثمرًا. وفي قصة إبراهيم عليه السلام، نرى أن كل أمر من الله كان يقصده بقلبه، بلا تردد أو شهوة، كامل التسليم، ليصبح مثالًا للسعي الحقيقي: أن نسعى لله، ونستودع الله طريقنا، ونعيش حياتنا على مبدأ التسليم التام له، فهو خير حافظ وأرحم الراحمين.
تأمّل قصة مريم مرةً أخرى، ولكن هذه المرة بتأنٍّ أكبر؛ فحياتها تحمل دروسًا عميقة في معنى السعي، حتى وإن بدت في ظاهرها قصة رزقٍ يأتي بلا جهد.
كانت مريم تعيش في محرابها، بعيدة عن ضجيج الدنيا، منقطعة لعبادة الله. وكان نبي الله زكريا يتعهدها ويرعاها، وكلما دخل عليها وجد عندها طعامًا لم يأت به أحد. كان الأمر يثير الدهشة؛ فالمحراب مغلق، ولا أحد يدخل عليها. فيسألها متعجبًا: “يا مريم أنى لك هذا؟” فتجيبه في بساطة المؤمن الواثق: “هو من عند الله”.
عاشت مريم تجربتين مختلفتين تمامًا مع الرزق والسعي، وكأن الله أراد أن يعلّمنا من خلالها سرًّا عجيبًا في العلاقة بين العطاء الإلهي وحركة الإنسان.
في التجربة الأولى كان الرزق يأتيها بلا سعي. في محرابها، منقطعة للعبادة، لا تعب ولا طلب ولا سعي ظاهر. رزق يأتي مباشرة من السماء.
وكأن الله يريد أن يذكّرنا بحقيقة لا يجب أن ننساها: هو قادر أن يعطي بلا سبب… متى شاء.
فبعد هذا المشهد الهادئ من العطاء الإلهي، تدخل مريم تجربةً أخرى أقسى بكثير؛ تجربة لا تتعلق بالجوع أو العطش، بل بنظرة الناس وكلامهم. فقد ابتلاها الله بحملٍ دون زوج، وهي أطهر نساء زمانها. أي امتحانٍ أشدّ من أن يحمل الإنسان براءته في قلبه، بينما العالم كله يظن به السوء. كانت تعرف أن الناس لن يفهموا وأن الألسن ستتكلم وأن القلوب لن تصدق بسهولة. ومع ذلك صبرت…
صبرت لأن العبد إذا عرف أن الأمر من الله، خفَّ عليه ما يأتي بعده. فالثقة بالله لا تُزيل الألم دائمًا، لكنها تعطي القلب قدرة على تحمّله.
ثم جاءت اللحظة الأشد لحظة الولادة.
حين جاءها المخاض، كانت وحدها لا أهل و لا معين ولا أحد يخفف عنها ألم تلك اللحظة. خرجت إلى مكان بعيد حتى وصلت إلى جذع نخلة، وهناك اشتد بها الألم حتى قالت من شدة ما وجدت: "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا" وهذه ليست كلمة يأس بل لحظة ضعف تمر بكل إنسان حين يثقل عليه البلاء. وقفت مريم تحت النخلة في الصحراء، منهكة من التعب والخوف، وهنا جاءها الأمر الإلهي:“وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا”
تأمل المشهد جيدًا: امرأة في أشد لحظات ضعفها…ويُطلب منها أن تهز جذع نخلة.
كل إنسان يعرف أن جذع النخلة ثقيل، وأن هزّه ليس بالأمر السهل وكان الله قادرًا أن يُسقط الرطب عليها دون أن تتحرك خطوة واحدة.لكن الأمر جاء واضحًا: اهزّي. ليس لأن النخلة تحتاج إلى من يهزّها، بل لأن الإنسان يحتاج أن يسعى.
حتى في لحظة العجز…حتى عندما يبدو السعي صغيرًا جدًا أمام ما نريده… الله يريد منك خطوة. ليس لأن الخطوة وحدها تصنع النتيجة، بل لأن السعي جزء من العبودية.فمريم التي عرفت الرزق بلا سعي في محرابها، تعلّمت أيضًا أن بعض العطايا تأتي بعد حركة، ولو كانت حركة بسيطة. وهكذا جمع الله في قصة واحدة بين حقيقتين عظيمتين: أن الرزق بيده وحده وأن السعي طريق من طرق العبودية إليه.
فهو قادر أن يعطيك دون أن تفعل شيئًا،وقادر أن يجعل عطاياه تأتي بعد جهدك. وفي الحالتين تبقى الحقيقة نفسها:
العطاء من الله… والسعي من الإنسان.
لم أكن أعي هذه النقطة، كنت أسعى في أي شيء في الحياة، أسعى، ولكن قلبي مازال متعلقًا بالخلق، وأرجو منهم أن يقبلوني وأن ينظروا في موضوعي.لكن عندما تغيّرت طريقة تفكيري، أدركت حقيقة مهمة: أن السعي لا يكون إلى الناس، بل إلى الله. فالناس ليسوا مصدر الحلول، وإنما الله هو الذي يسخّرهم. قد يضع في قلوبهم الرحمة، أو يهيئ لقاءً عابرًا، أو يقودك إلى مكان لم تكن تخطط له، فيكون سببًا في حل ما كنت تبحث عنه.بل حتى تلك اللحظات التي يتغير فيها اتجاهك فجأة، أو تشعر فيها بدافع داخلي للذهاب إلى مكان ما، قد تكون من تدبير الله لك. فهو الذي يهيئ الأسباب، وكل ما عليك هو أن تتحرك وتسعى، متوكّلًا عليه وحده.
ومنذ ذلك الفهم، تغيّر معنى السعي في حياتي. لم يعد مجرد محاولة لتحقيق رغباتي، بل أصبح طريقًا أصعد به إلى الله. فكل فشل، وكل خيبة، وكل دعاء تأخر جوابه، لم يكن إلا درجة تقربني منه أكثر. صرت أنظر إلى الصعوبات وكأنها عملية تصفية للقلب؛ كأن الإنسان يحمل حقيبة مليئة بالأسئلة والشكوك، وكل تجربة أو رفض يخفف هذا الحمل شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى الله بقلب أخفّ وأصفى.
وحين يصل الإنسان إلى هذا الفهم، لن يعود متعلقًا بالأشياء كما كان من قبل. سيأخذ ما يأتيه من الدنيا، لكنه سيتعامل معه وفق مراد الله لا وفق رغباته فقط. وعندها يبارك الله له فيما أعطاه، فينمو ويزدهر معه. أما حين يكون السعي موجّهًا فقط نحو الجاه أو المال، فقد يعطي الله الإنسان ما يريد، لكنه يبتليه فيه حتى يدرك الحقيقة ويتعلم الرسالة.
وفي النهاية يصل الإنسان إلى هذا اليقين:
أن كل شيء لله. كما قال تعالى: “إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”.
إبتسام










صراحة أبدعتي في الموضوع بارك الله فيك وجزاك خيرا
حبيت القصص تسلم اناملك 🤍